أحمد بن محمد ابن عربشاه
327
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
والمناهزة غشيه الوالي مع العسس والجلاوزة ، ومعهم امرأة بغى قد خرجت عن الصراط السوى ، وهم يضربونها ، وعلى أفظع حالة يسحبونها ، وهي تستصرخ المسلمين وتستغيث أئمة الدين . فلما أحسن اللص بهم نكب عن دربهم وولاهم عطفه ، وانزوى في عطفه وانتظر حتى يمروا ، فسمع المرأة وهم بها قد أضروا ، وهي تصيح بلسان فصيح ، وتقول : يا أهل الإسلام ، وأمة خير الأنام ؛ أنجدونى وارحمونى واسعدوني ، لا سرقت ولا نقبت ، ولا اختلست ولا سلبت ، ولا طمعت في مال أحد ولا نهبت ، ولا وقفت لأحد في درب ، وإنما استنفق من حاصل دار الضرب ، وذلك ملكي وحوزى ، وثمرة لوزى وجوزي ، بإشارة سهام الحاظى الملوّزة ، من قسى حواجب بالجمال متوّزة « 1 » ، وسفارة نظام ألفاظى المعززة المشبهة باب طريقها دررا في العقيق والرقيق مغرزة ، فما لي على أحد ثقل ولا طمعت في مال أحد فيحصل له منى ملل . فلما سمع قاصد الحرام هذا الكلام ؛ أفاق خاطره وراق وتنبه لقبح صنعته ، وإن الزواني تأنف من حرفته ، وتستنكف مما هو مفتخر بفضيلته . فقال : لعن الله فعلا تنتقصه الخواطى ، وتبا وسحقا لمتعاطيه من متعاطى . ثم عاهد الله التواب ، ورجع إليه عن صنعة الحرام وتاب . وإنما أوردت هذه المناقب يا شيخ الأرانب ؛ لتعلم أن العاقل من يتصفح جرائد أعماله ، ويتأمل صحائف حركاته وأحواله ، وأن هذا الملك صفى شراب صفاته من كدورات الهوى براووق « 2 » المراقبة ، ونقى رياض ذاته من شوك الأخلاق الذميمة بمنكاش المعاتبة بقدر طاقته وإمكانه ، وهو مثابر على ذلك في غالب أزمانه لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] وليس لك أن تعترض بأن النفس لا تغير طبعها ، وليس
--> ( 1 ) غليظة ثقيلة الشعر . ( 2 ) أي مصفاه بالملاحظة والمراقبة .